
لم تعد القراءة التاريخية لمواقف دار المختارة مجرد نقاشٍ أكاديمي حول صفحاتٍ مطوية من الماضي، بل أصبحت ضرورة ملحّة لفهم الحاضر وتفكيك مسارات العمالة والمساومة. حين تُقام المهرجانات الاستعراضية في راشيا ووادي التيم تحت شعار تكريم شهداء الثورة السورية الكبرى، يحق للشرفاء أن يرفعوا الصوت رافضين هذا التزوير الوقح: كيف لمن امتهن المهادنة والتواطؤ أن يرقص على دماء أحرار قضوا وهم يقاتلون المستعمر؟
التاريخ المتسلسل: وسامٌ على صدر التواطؤ
في الوقت الذي كان فيه أبناء وادي التيم وجبل العرب يسطرون أروع الملاحم في ثورة 1925 بزعامة سلطان باشا الأطرش، اختارت القيادة الجنبلاطية — ممثلة بالست نظيرة — التموضع في الخندق المقابل. لم تكن المسألة “حياداً إيجابياً” كما يحاول المؤرخون الجدد تسويقها، بل كانت خياراً سياسياً واضحاً حارب العروبة، واستعدى خط المقاومة الوطنية، وتوّج بالخدمات العسكرية واللوجستية التي قدمتها المختارة للإنتداب الفرنسي.
ولم تكن المكافأة سوى وسام جوقة الشرف من رتبة فارس الذي قَلّدها إياه المندوب السامي الفرنسي “غابرييل بيو”؛ وسامٌ يختصر حجم الخدمات التي قُدمت على حساب أرواح الثوار ودماء الشرفاء الذين اغتيلوا وغُدروا في وديان الجبل.
نهجٌ متوارث: الشراكة في هدر دم السويداء
إن النهج لم يتغير، بل تبدلت الوجوه والأسماء فقط. واليوم، يتكرر المشهد ذاته بصورة أكثر خسة؛ حيث يقف التوريث السياسي في الجبل في موقع الشريك والمغطي للسياسات التي تحاول تركيع السويداء واستباحة جبل العرب.
إن التماهي والتحالف مع أحمد الشرع (الجولاني) ومشروعه، والتغاضي العمدي عن استنزاف الدروز وهدر دمائهم في سوريا، ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو استمرار لنهج “ستّك نظيرة”:
بالأمس: أوسمة ونشوة نصر مع الفرنساوي ضد ثوار سلطان باشا الأطرش.
واليوم: صفقات ومصالح ضيقة مع قتلة أبناء السويداء والجبل.
”إن من يضع يده في يد من يستبيح دماء أهلنا في جبل العرب اليوم، لا يحق له أن يرفع راية شهداء راشيا الأمس. فالدم لا يصبح ماءً، والتاريخ لا يُغسل بكلمات المناسبات والمهرجانات الزائفة.”
صرخة رفض: لا لاستغلال الدم والتزوير
إن الشرفاء من أبناء وادي التيم والجبل مدعوون اليوم إلى إسقاط الأقنعة ورفض هذه المسرحيات السياسية التي تُقام على جثث الشهداء. إن التكريم الحقيقي للثوار لا يكون بتمجيد من حاربهم، بل بـ:
فضح التزوير التاريخي: العودة إلى الحقائق والمدونات والزجليات التاريخية (كزجليات رشيد نخلة وغيره) التي وثّقت خيارات دار المختارة وضد من كانت تقف.
تعرية حلفاء اليوم: تعرية كل من يغطي الجرائم التي تُرتكب بحق السويداء، واعتبار المساومة على كرامة الجبل طعنة لنهج الثورة الكبرى.
رفض الوصاية والتبعية: التأكيد على أن ذاكرة الشعوب حية، وأن دماء شهدائنا في راشيا والسويداء أسمى من أن تُستخدم كوقود لمصالح وتوريث سياسي خاضع للتجاذبات.
ستبقى الثورة السورية الكبرى ملكاً لمن حمى الأرض والكرامة بدمه، وستبقى أوسمة الانتداب والتفاهمات المشبوهة وصمةً تلاحق كل من باع القضية في سوق الصفقات.



